أضمار ..
البلدة الصغيرة التي سيطرت عليها لوثة جنون خطر ، جعلتها تتوهم يوما أن من حقها أن تثور على الباشا المجيد ، فخرجت إليه بفئوسها ومناجلها وأعواد الحطب مشتعلة فوق رؤوسها تريد حرقه وتدمير قصره ، فردتها عنه مائة مدفع رشاش تحملها عصابة عتريس وقوة من جنود المديرية تضم ألفاً من بلوكات النظام وعشرات من سيارت الجيش المصفحة التي جاءت من معسكر قريب .
لقد قدمتها الحكومة لقمة طرية لأنياب المجيد ، يلوكها الإرهاب ويطحنها ، ويعتصر دمها ويشربها ، ثم يبصق عليها مع شروق كل شمس بنفاية متقيحة لا تنتهي من الأحقاد والثارات .
فعشرة من أبنائها .. قتلتهم حبال المشانق بموافقة مفتي الديار حتى يعجزون تماما عن إشعال ثورة أخرى ضد البشوات .
ومائة من رجالها ونسائها .. يضمهم سجن المديرية حيث يجرى تأديبهم وتهذيبهم وإصلاح عقولهم ، وليدركوا دائماً حقيقة مكانهم كعبيد وسائمة يملكها المجيد .
أما الآلاف الثلاث الباقية من سكان القرية فقد انتظموا صفوفاً من الذل والخوف ، وصفوفاً من الإستغلال والإنتهازية ، يخرج عليها نفر ثائر يفسد إستسلامها بثأر ملول ، على حين تتربص بخنوعها وخضوعها ضمائر حاقدة لا تريد أن تموت وتأبى أن تغفو لحظة وتنام .
...............
هكذا كانت أضمار عندما تسلم مقودها الباشا الكبير بعد أن أخضعتها له تماما قوى الجيش والبوليس وبطش عصابة حارسه ومساعده عتريس .
كلنا نذكرها ولا شك ..
فقد كانت طوال شهر أسود من حكم فاروق حديث الصحف الصغيرة التي اعتاد الحكام مصادرتها ، وقلة من النواب الأحرار الذين خدعوا صناع الإنتخابات وتسللوا بالرغم عنهم إلى مبنى النواب .
إنها اليوم تعيش في مأتم طويل لا تبدو له نهاية .
فمع كل شروق .. يختار المجيد عبداً منها أو جارية ليروى حقد يوم ، ويجسد لها قدرته وبطشه ويُذكرها بضعفها وعارها .
وأفراحها التي كانت لا تنقطع زغاريدها وهي تعلن عن جمال بناتها وقد جاءهن العرسان من القرى المجاورة .. أصبحت كالجرائم التي تُرتكب في ظُلمة الليل وتتم في السر وتُغلف بالصمت خوفا من نقمة الباشا وسخرية عتريس وعيون إبنه الجائعة التي استعبدت القرية وحللت لنفسها أعراض البنات
أما بيوتها التي اشتهرت بطلائها الأبيض فقد جنت عليها المآسي والأحزان ، إذ جاءها الصبية بالطين والنيلة ولطخوها كما شهدوا أمهاتهم يفعلن بالوجوه في كل مأتم كبير .
حتى الجبل الذي تسكن إليه القرية .. مزقوه بالإنفجارات ، فكشفوا بها عن ظهرها للقتلة والمجرمين من كلاب الباشوات وحراس الأعيان .
إنها قرية الموت ..
تراه في كل بيت .. قائم .. أو .. قادم .. أو .. مُتربص .. أو .. مُرتحل في زيارة خاطفة للقبور .
فالموتى بعددِ أيام السنة .. وإن لم يمت أحد بالمرض أو الشيخوخة ، أو مات بصخرة ضخمة في المحجر ، فرض رجال الباشا الموت على القرية ، ولتبقى دائما في نواحِ ذليل يستبد بها و يُفسد عليها ما قد تتوهمه من خرافات الثأر .
ولكن ..
ما أعجز الموت ..
لقد فشل في قبرِ الحياةِ ووقفِ نموها واستمرارها في اضمار .
فقد كشفت لها فطرتها هدفاً للمجيد من إطلاق الموت على بيوتها يحصدها .. أن تَضيقَ بجيرته ، وأن تخشى على فلوها من بطشه وعصابة عتريس ، وأن يهجرها الأباة ويبقى له المستضعفين .. فيزداد أمنه .. وتتأكد سلامته .. وليلغ في كرامتها وأعراضها والنفاية التي لم يملكها بعد من أراضيها وبيوتها .
وفكرت القرية في مواجهة المؤامرة .
وهدتها فطرتها إلى أقوى سلاح .
أن تُحارب الموت بالحياة ..
فكل مأتم يواجهه زواج .
ومع استخراج شهادة الوفاة يجب أن تُسجل القرية ميلاد طفل ..
والنفر القليل من أبناءها الذين غادروا إلى المركز والقاهرة سعياً وراء العلم أو الرزق ، يجب أن يقطعوا دراساتهم ، ويتركوا أعمالهم ليعودوا إلى القرية ويسُدوا ما تعانيه أسرهم من نقصٍ في الرجال إستعداداً لفرصة الثأر .
فسالم .. ترك عمله في أحد مخابز البندر بعد مقتل والده الشيخ عطيوة .
وإبراهيم .. رفض دخول إمتحان التوجيهية وعاد ليجلس خلف بنك دكان البقالة الوحيد في القرية بدلاً من أخيه الذي شنقه الطغاة .
وكذلك فعل صابر الصغير بسنوات عمره الخمس عشرة .. فقد فرّ من المدرسة الثانوية ليكون رجل أسرته بعد اغتيال أبيه .
حتى سلطان .. الشاب الجامعي الوحيد في القرية الذي لم يرتد جلباب الفلاحين منذ ارتدى البنطلون تكبراً وترفعاً وتمييزاً لنفسه وعلوا بها ..
اضطر تحت ضغط شقيقه حمد وثورته على أبيه إلى الانقطاع عن كلية الزراعة والانضمام في ضِيق متبرم إلى موكب القرية وهو ينطح الموت ويريد أن يصرعه ..
.....................
ويلتقي أحياء القرية مع الأموات في أربعين الشيخ عطيوة .. وكأنهم أفراد عصابة تأتي عملاً تعاقب عليه القوانين ..
فالداخل للعزاء في الشيخ عطيوة يتلفت يُمنة ويُسرة قبل أن يلج الباب ..
وعبارات العزاء تتبادلها الأيدي والعيون دون الشفاة .
حتى ذِكر الله وتلاوة آياته واستمطار رحمته على الميت أو الشهيد يجب ألا يتردد في غير القلب .
هكذا مضت الساعة الأولى من أربعين الشيخ عطيوة .. بلا مُقرئ للرجال ولا معددة تنوح النساء .. فما يجرؤ واحد ممن احترفوا تلاوة القرآن على إغضاب الباشا الكبير ، ولو بتلاوة الفاتحة على روح من تقتله عصابة عتريس ..
كل شيئ هادئ صامت .
المُعزون ..
وأهل الشهيد ..
وكذلك الجاموسة والحمار لم يرتفع لهما صوت ..
و دخول الناس وقيامهم وقعودهم .. كان يتم في حركات بكماء ..
حتى ألواح الأريكة الخشبية المتداعية عندما تفككت وتهاوت إلى الأرض بمن فوقها من فلاحين لم تُسمع لها قعقعة ولا تردد لها صدى .. وإنما تفتت وتكسرت وتناثرت في دويٍ أخرس يرتجف .
وبين الجميع كان عم سليمان شقيق الشيخ عطيوة الذي حضر مصرعه وأبصر قاتله ونالت منه بندقيته .. جاءت به زوجة القتيل من المستشفى برغم جروحه الكثيرة التي لم تلتئم بعد .. فبدا في ضماداته ونظرته الهلعة الزائغة أشبه بلوح ثلج أرادت به أن تشيع البرودة في دماء ابنها سالم التي توشك أن تنطلق حارة جارفة من عيونه المحمرة لتغرق الباشا وعتريس في طوفان من الدماء ..
وفجأة ..
يرتفع صوت أشبه بصرير الأسنان ..
وتتجه رؤوس المعزين وأهل القتيل صوبه في سرعة وجِلة مشفقة فتبصر سالم يُطلق زفرات ساخنة كريح فصل الصيف .
- لماذا تأخر حَمد .. ؟ لماذا ؟ ..
وكأنما أتى سالم إثماً كبيراً .. فقد قام إليه عم سليمان وبعض الأقارب يمسكون بيده ، ويخرجون به إلى غرفة مجاورة .. وتتبعه عيون المعزين و ترتد إلى باب الدار وهي تتبادل نظرات خائفة ترجو بها لو تنهي عزائها وتغادر الدار قبل أن تتفجر فيها ثورة جديدة يؤخذون بجريرتها ، فيُعدمون أو يُسجنون أو يُقتلون رمياً برصاص عتريس ..
وتنتصر إرادة الخوف عند أحدهم ..
فينتصب واقفاً صوب باب الدار في نظرات هاربة متخاذلة لا ترتفع عن الأرض ، على حين ارتفعت يُمناه إلى رأسه في سلامٍ سريع ..
ويتشجع ثلاثة غيره أو أربعة .. فيَفرغ جوف الدار إلا من عشرين جلسوا يستهجنون الفارين بنظرات حاولوا جهدهم أن يطردوا منها انعكاسات الخوف الذي أثقل قلوبهم وسيطر على مشاعرهم ..
وفجأة ..
تحرك باب الدار في سرعة متعجلة وبدا خلفه فتى نحيل في الخامسة عشرة من عمره ، يعلو صدره ويهبط في تتابع لاهث ، على حين جرت أنظاره ترمق الحاضرين في زهو وخيلاء مشوبين بفرحة وانتصار .
كان في وقفته وملامح وجهه وانعكاسات مشاعره أقرب ما يكون إلى صبي تسلل إلى حفل زفاف منه إلى قادم للعزاء في قتيل سفك دمه الباشا وعتريس ..
ويبدو أن عشرة من المعزين كانوا على موعد مع الصبي الصغير ، إذ تهللت وجوههم في إرتياح في حين اشتدت مخاوف العشرة الآخرين ..
وانحدرت أنظار الجميع من الصبي اللاهث وقد استند بظهره إلى الباب المفتوح ، وامتدت عبره طويلة تحاول أن تغوص في ظلمات الطريق ، ويتحرك الظلام خارج الباب .. ويبدو عبره شبح أسود من الليل مقبل على الدار ، ونقطة بيضاء ترتفع فوقه أخذت تكبر وتتضح حتى بدت عند الباب شال عمامة صعيدية فوق قفطان حالك ..
ويرتفع صوت الصبي اللاهث في فخره وخيلائه ..
- الشيخ حَمد ..
ووقفت غالبية المعزين .. في حين انفرج باب الحجرة المجاورة في عنف سريع عن سالم ابن الشهيد وقد اندفع إلى الشيخ حَمد عند مدخل الدار يحتضنه ويُقبِل كتفه ويربت على ظهره ، ثم يستدير به ويقوده إلى صدر القاعة ، حيث قبع مرتفعا عن الأرض فوق فرن الدار ، على حين كانت الجدران تُردد في أصداء متداعية تحية الشيخ حمد للمُعزين ..
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
- شكر الله سعيكم ..
- غفر الله ذنبكم ..
- لا أرانا الله مكروها فيكم ..
- لا مدّ الله في عمر القتلة أعدائكم ..
ووصل حَمد إلى الفرن فخلع نعليه و اعتلى ظهره وقد ضم ساقيه وقدميه تحت قامته السامقة ووجهه الهادئ وملامحه الصارمة ..
ومرت ثوان قليلة من صمت متحفز قطعها صوت الشيخ حَمد الجهوري وهو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويبدأ في تلاوة رخيمة لآيات من سورة الأنفال لا يَمَل ترديدها مُنذ ثارت القرية وعاد من المعهد الأزهري ..
ووصل لقول الله العظيم ..
" ليُحقَ الحقَ و يُبطِل الباطلَ وَ لو كَرِهَ المُجرِمُون" .
فترددت ضحكة خافتة ارتفع عليها صوت غليظ وقور يستنكر في تأنيب ..
- سلطان !
ويبدو أن صاحب الضحكة قد أثارته لهجة التأنيب ، فارتفع صوته على تلاوة الشيخ حَمد قائلا في سخرية فاجرة ..
- ليحق الحق و يبطل الباطل و لو كره المجرمون .. كِيف يا عالم كِيف ؟ .. وانتم هنا يسقط لكم القتيل بعد الآخر ولا تَجسرون على مجرد الترحم عليه ..
ويقطع إبراهيم بقال القرية الجديد سخرية سلطان ..
- صبرك يا سلطان فإننا لن ننسى قتلانا .. لن ننساهم أبداً ..
و لهم علينا أن نثأر لهم .. أفهمت .. سنثأر يا سلطان .. سنثأر للشهداء ..
وتصدر عن سلطان ضحكة إستهزاء عالية ، و يقول في صوتٍ تعمدَ أن يرتفع له ليصل إلى غالبية المعزين في الوقت الذي حرص فيه ألا يصل إلى صدر القاعة حيث الفرن وشقيقه الأكبر حَمد يُرتل كلام الله ..
- تثأرون للشهداء .. كيف سيكون ثأركم من عصابة عتريس .. من الباشا الكبير ، كيف يا عالم .. كيف يا خلق .. ؟ ألا توجد حكومة .. ألا يوجد بوليس ؟ .. ألا يوجد جيش ؟ ألا يوجد انجليز ؟ إنه الباشا .. الباشا الكبير .. قريب الملك .. أتعرفون ماذا تعني قرابة الملك .. ؟
و يبدو أن صوت سلطان ارتفع أكثر مما أراد فقد وصل إلى شقيقه حمد و مَن حوله من شيوخ فختم تلاوته و قام إلى شقيقه يعاتبه ..
- ما هذا يا سطان .. ألا يوجد عندك إحترام للقرآن ؟
و يرد عليه سلطان وقد زاده تأنيب شقيقه أمام المعزين ثورة و انفعالا ..
- عندي إحترام للقرآن .. وعندي أيضاً عقل يفهم الدنيا و كيف تسير ..
و يعلو صوت سالم صارخاً ..- ماذا تقصد يا سلطان ؟
ويبدو صياح إبراهيم في تحد ..
- قل .. تكلم .. انطق ..
ويجد سلطان نفسه بكبره و تعاليه و ضيقه بالقرية و فلاحيها و أحقادها وقد مضى في تحديه و أوغل في سخريته .. قال ..
- أنتم مجانين .. هكذا وصفتكم الصحف .. مجانين لا عقول لكم ولا فِهم .. تحاربون الملك والحكومة والجيش و البوليس .. والنتيجة !
ماذا كانت نتيجة الحرب ؟ كم قتل لكم الباشا حتى اليوم .. ؟ وزراعتكم وسمادها وبذورها .. حتى المياه قطعها عنكم .. و المحجر حَرَّمَهُ عليكم .. وكل هذا لأنكم تجرأتم عليه مرة وطالبتموه بحقوقكم .. والآن تريدون أن تعودوا إلى مقاتلته .. تريدون الإنتقام .. فكيف يا أخي .. كيف يا أبي .. ؟ كيف يا عمي .. ؟ كيف يا خالي و هو البااااشا .. الباشا الكبييير .. يبيعكم بيعاً و يشتريكم شراء .
ويرتفع صوت حمد على صراخ شقيقه قوياً عنيداً حازماً ..
- ولهذا لن نسكت له .. لهذا نحاربه يا سلطان .. لأنه يبيعنا ويشتري فينا .. فنحن أحرار .. وُلدنا لنكون أحرار .. سيدنا عُمر رضي الله عنه قال .. متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أُمهاتهم أحراراً ..
وتلقفت غالبية المُعزين صيحة حَمد و هو يؤكد حريتها وكأنما استبد بها ظمأ شديد إلى ما يجدد ثقتها بنفسها و ثاراتها بعد أن اهتزت واضطربت و أوشكت أن تتبدد بصراخ سلطان ..
ورددت جدران القاعة صيحات راحت تتعالى الواحدة بعد الأخرى ..
- نعم .. نحن أحرار .
- وُلدنا أحرار ..
- لنعيش أحرار ..
و قطع سلطان آمالها و أوهامها ..
- كفاكم خداعا لأنفسكم .. كفاكم كذباً على حقيقتكم .. عُمر قال و عُمر فعل .. أصحوا .. أفيقوا .. عُمر مات .. مات من قرون ..
الباشا هو الحاكم لا عُمر .. صالحوه .. استغفروه .. فقد يَرِق قلبه .. وقد يرضى عنكم .. أضعتم البلد .. خربتم بيوتها .. حطمتم آمالها .. أتنكرون .. أتنكرون ؟ ..
ولم يرد أحد .. حتى الشيخ حَمد ..
لم يجد عبارة واحدة يدفع بها الحقائق المريرة التي اجترها عنهم سلطان ..
كان الجميع قد استبدت بهم ثورة سلطان وما بدا فيها من واقع عاشوه وقاسوه ، فشخصوا إليه بعيونهم وقتلاهم ومذلتهم في خوف أبله ، في حين مضى سلطان يُجردهم من بقايا أوهام الثأر والقضاء على الباشا الكبير ..
- تكلم يابا خليل .. وانت يا عم سليمان .. تكلم يا شيخ فرحات وأنت يا قمص .. تكلموا .. قولوا الحقيقة .. إعترفوا بها .. أو .. اصرخوا في وجهي أني كاذب ..
ولاذ بالصمت لحظة في حين كانت عيونه تتحدى الحاضرين .. وإذا وقعت على أبيه إتجه إليه وأمسك بكتفه و صرخ فيه ..
- و أنت يا أبي .. تكلم .. قل لهم رأيك بصراحة .. أخبرهم بما سبق أن رددته على مسامعي أكثر من مرة .. أن عنادهم خرب البلد .. و أن الطريق التي يضربون فيها ليس لها غير آخرتين .. السجن بأمر من الباشا .. أو القتل على يد عتريس .. قل لهم يا أبي ما ذكرته لي بالأمس .. قل لهم .. أن عناد البلد قضى على آمالك في ولديك .. حَمد الذي كنت تريده شيخاً أزهرياً يحمل العالمية ، وأنا الذي كنت تتمنى أن تراني مهندساً زراعياً في عزبة الباشا .. نعم .. في عزبة الباشا ..
ويرتفع صوت رفيع أقرب ما يكون إلى صراخ النساء يهتف بسلطان ..
- أناااااني .. كل ما يُشغلك مستقبلك وحدك .. معذور .. والله معذور .. فلم يُهدر لكَ دم .. لم يُهتك لكَ عِرض .. أناني .. وخائن .. وجبااان ..
انتفض سلطان وأزاح أربعة ممن كانوا حوله وخطا إلى الأمام وهو يصيح ..
- ماذا تقول يا ولد ؟
ورد الولد الصغير متحدياً سلطان ..
- أقول خااااائن و جبان ..
و مدّ سلطان يده في صفعة أوشكت أن تهبط على وجه صابر و قد وقف فوق كومة من أكياس الخيش .. ولكن حَمد سبقه إلى صابر ووقف أمامه يسد على سلطان طريق الإنتقام من الصبي الصغير هاتفاً به ..
- ارجع يا سلطان .. ارجع .. كفانا .. كفانا ما أنزلته بنا .. تفضل اخرج من هنا دون شر .. دعنا لعنادنا و جنوننا .. دعنا لثاراتنا و أحلامنا ..
و يرفع سلطان يديه إلى صدر شقيقه حَمد ويدفعه بهما بعيداً عن طريقه إلى الصبي الصغير الذي بدا فوق كومة الأكياس عملاقاً صغيراً رهيباً ..
ولكن جموع الفلاحين تحيط به و تدفعه بعيداً عن صابر و حَمد حتى تتركه وحيداً خارج الدار حيث استبدت بالقرية ظُلمة مخيفة برغم البقية اللاهثة من الأنوار الكثيرة التي تضيئها عن قرب ماكينة الكهرباء من حول قصر الباشا الكبير ..
و البقية تأتي ..
* لست أنا السارد .. وإنما فقط أنقل فكرة

