السبت، 28 أغسطس 2010

حكاية ثورة .. 2

الليل بيحضن البلد ..

 
ورهبته تغرقها في أعماقه المخيفة ..
وحلكته تحيط بها في إحكام .. تلف مبانيها وتحجب مئذنة الجامع الوحيد عن الرؤية الحادة من قريب ..
فالقرية تموت مع إنقضاء النهار ..

لا أحد يجول فيها .. ولا صوت يُسمع بها .
حتى القطط والكلاب يُصيبها الليل بجمود أشبه بالموت .. فلا يرتفع لها مواء أو نباح ، ولا تتسابق أوتتقاتل في صراع الحياة ، وقد خلت لها القرية من زجر الإنسان وعبث الأطفال .


فكل حي .. خلف جدار بيته يدعو الله أن يطلع عليه الصباح .
فمع الليل يخرج رجال عتريس يستبيحون الأرض والماشية والأرواح والأعراض .
والويل لمن يصادفهم خارج الدار .
والقتل لمن تحداهم ولو تحصن خلف ألف جدار ..


ولكن يبدو أن سلطان لم يكن من طينة بقية الفلاحين .. فقد مضى في الحقول غير هياب ولا وجِل حتى ابتلعته الظلمات في جوفها الاسود العميق !


وعلى امتداد الأفق عند سفح الجبل وعبر كيلومتر من الليل تلألأت شمس صغيرة صنعتها الأضواء التي تحيط بالقصر الكبير ، وتغرقه في أمواج متلاطمة من النور خطفت أبصار سلطان ، وجعلته يقذف القرية ببصقة هائلة تخيلها تسقط فوق جحور الفلاحين القذرة العفنة .
ومن بعيد ..
ومن خلال الليل الضرير أبصر أشعة طويلة تسلل في حركة سريعة وكأنها في سباق لاهث نحو قصر الباشا المجيد .
وإذا اقترب من طريقها أبصر على ضوئها داخل أركانها المظلمة رجال الحكومة وأثرياء الناحية .. حتى أكبر الحكام .. إشي مدير المديرية و وكيلها وحكمدارها كمان ..
كلهم كانوا يتراكضون بسياراتهم الرسمية إلى الحفل الكبير الذي أقامه الباشا بمناسبة تشريفه وزوجته فيفان هانم وابنه الصغير جميل بك لأملاكه الواسعة في البلدة بعد أن تم اخضاع اهلها وكتم نفسهم والقضاء على ثورتهم وإذلال كرامتهم ..


وفي بهو القصر الفسيح وقف حكمدار البويس يدير عينه التي علموها في كلية البوليس كيف تميز المجرمين وهو يحصي لمدير المديرية الحاضرين من كبار المسئولين ورءوس العائلات .. ثم همس قائلاً ..

- المديرية كلها هنا .. الباشا مسحها من رجالتها ..

ويبتسم المدير في خبث ويرد همس الحكمدار وهو يتنهد في أسف وحسرة ..
- كنت أتمنى إنه يمسحها من نسوانها كمان ..


ويرمق الحكمدار مديره بنظرة جانبية يستنكر بها في حذر ما فضحته الكأس الاولى من نهم المدر ورغبته الدائمة في النساء .. على حين واصل المدير قائلاً ..
- تصور لو إن زير الداخلية أخرنا في مصر الليلة وحرمنا من حضور سهرة الباشا .. كان صاحبي وكيل المديرية وصاحبك وكيل الحكمدارية فتنوا علينا عنده ، وفهموه إنهم يا عيــني في حرب معانا عشان خدمته وحماية رجالته وكتم الفلاحين ..


ويطلق الحكمدار صيحة وهو يجول ببصره في أرجاء القاعة الكبيرة ..
- هوه .. فين الباشا صحيح ؟ .. أنا عندي له خبر مهم أوي .. فيه خناقة حصلت بين الفلاحين من شوية في البلد

ويستفهم المدير ..
- خناقة بخصوص ؟ !!!


ولا يسمع المدير جوابا عن سؤاله .. فقد انطلق رجل البوليس إلى ركن القاعة المجاورة لباب الشرفة حيث وقف الباشا وبجواره حارسه وناظر زراعته عتريس ..
ويلهث المدير خلف الحكمدار ليبدو أمام الباشا وكأنه على علم بالخبر المثير الذي يجهله .. فيصله الحكمدار يقول له في خيلاء ..


- يا باشا .. أنا رجالتي في خدمتك 24 ساعة ، ونص كمان ههههههه ..
على فكرة .. جاتني أخبار مهمة أوي وأنا نازل من العربية قدام قصر سعاتك .. فيه خلاف كده حصل من دقايق بين الفلاحين في أربعين الشيخ عطيوة بخصوص ال..


وتقف الكلمات في فم الحكمدار ، فقد قاطعه الباشا بضحكة عالية وهو يقول ساخراً ..
- طب بس بس باااس .. قديمة أخبارك .. وِصلت عتريس قبلك ..


ويشد الحكمدار قامته في شبه استنكار صارخاً في حدة ..
- عتريس ؟!

ويجيبه الباشا مفاخراً في تحد ..
- أيوة عتريس .. عتريس يا حكمدار ..


ويدرك ضابط البوليس الكبير ما وراء لهجة الباشا من سخرية وتهديد فتتراخى قامته وتتهدل حتى تكاد تتكوم فوق الأرض عند أقدام الباشا


ويضحك الباشا وهو يمد يده إلى عتريس ويربت بها على كتفه وكأنه كلب يداعبه ويقول ..
- عتريس ده هو سلاحي وخط دفاعي الأول .. أما انتو بقى يا بتوع البوليس فالإحتياطي اللي ممكن أستعين به .. وصلت يا سعادة الحكمدار ! ..

- وصلت يا باشا ..


قالها المدير وقد تدلى رأس الحكمدار صوب الارض .. في حين استدار الباشا إلى عتريس آمراً


..
- كاس كمان ..


ويمسك الحكمدار بساعد المدير ويقوده فيما يشبه الجر بعيدا عن الباشا وهو يهتف به في نبرات ناقمة هامسة ..
- إيه اللي بيحصل ده يا سعادة المدير .. عتريس ده بلطجي وزعيم عصابة .. ومش ظريفة يعني إن الباشا يجامل فيه على حسابنا وقدامه كمان .. المفروض إن لينا هيبة برضه قدام الحيوان ده

ويضغط المدير على زراع الحكمدار ويتمتم ..
- صحيح هوه ... بلطجــي وحراااامــي ولامم حواليه شوية صيع زيه .. كلنا عارفين الكلام ده .. بس إسأل نفسك كده .. قدرنا نلوي دراعه إمتى ؟ .. إتجرأ حد فينا على إنه يتهمه ، إعقل كده أومال ..
أصل بص ..عتريـــس ده ضل الباشا .. تعرف تسجن ضل الباشا من غير ما تسجن الباشا نفسه ؟


- أسجن الباشا .. الباشا قريب الملك ! .. ههههههههههه مستحيـل
- أهو اعتقال عتريس برضه مستحيل ..


ولا يجد الحكمدار كلمات يرد بها على المدير فيلوذ بالصمت لحظات حاول خلالها أن يبتلع الحقيقة .. ولكنه يتقيؤها سريعاً هاتفاً ..
- وكرامتنا فين ؟ ! .. أنا مبقتش عارف أرد على شوية العيال اللي عندي .. رافضين سكوتنا على جرايم زفت الطين ده .. كمان طلعلي الواد الجديد بتاع نقطة أضمار وطلب أكتر من مرة إذن من النيابة بالقبض عليه

 
- ههههههههههههه

مجنووووووون ..
ده مغفل ..
بص .. انقله لنقطة تانية وعين أي ملازم بداله واشتري دماغك

- وأنا أجيب ملازم تاني منين يسكت على عتريس ؟ .. اصلك موش عارف الضباط الشباب دول ..

- يا سلام ! كلهم بقوا نُزَها كده مرة واحدة ! ما عندك في الحكمدارية 24 ملازم !

- كلهم عدوا على نقطة أضمار خلال الست شهور اللي فاتو أول ما عملناها بعد ثورة الفلاحين .. وده آخرهم .. ده كمان أطيبهم


- اسمه إيه الواد ده ؟


- حسن المنصوري .. حسن على المنصوري


- الله ! .. الواد ده ابن على المنصوري حكمدار أسوان ؟


- عليك نووور


- مُغفل زي أبوه .. ميعرفش في شغله لا باشا ولا أمير ، عِنَدي وجَد لحد البلاهة ..
تعرف ! .. واحد زي ده لولا خشونته مع الأحزاب وكبار الأعيان زي الباشا كان زمانه دلوقت مدير الأمن العام .. ومش بعيدة وكيل للداخلية .. بس تعمل إيه بقى ! إمخاخ جِذم


- وبعدين .. طب العمل ؟
قالها الحكمدار .. ولم يسمع لها جواباً .. فقد جاءهم عتريس يدعوهما إلى صاحب السعادة ..


وهرول المدير من خلف الحكمدار وقد أثقل من خطواته ما يعانيه ضميره من تذمر الضباط الشبان ..

وعندما دخل الإثنان شرفة القصر خلف عتريس وجدا شاباً في أواخر العشرينات من عمره يحاول عبثاً أن يقف ثابتاً ويده اليمنى على حاجز الشرفة على حين أمسكت اليسرى بكتف المجيد ..


وابتدرهما الباشا قائلاً ..
- إبني الصغير جميل .. اللي حيورث كــــل حاجة في أضمار بعدي ..

أسرع المدير إلى الشاب .. يساعده على جمع أطرافه ويثبتها في وضعها الطبيعي وهو يبسمل ..


- بسم الله ما شاء الله .. الخااالق الناطق الباشا ..
إنما ليه مشوفناش سعادتك قبل كده في البلد ؟


ومال الفتى إلى الأمام ثم إلى الخلف ، وتحركت شفتاه ثلاث مرات قبل أن ينجح في السيطرة على لسانه ، لتخرج منه حروف وجمل متقطعة متكسرة ، في صوت تكسوه النعومة ولثغة نسائية تشوب رجولته ..


- أنا عشت حياتي ما بين فرنسا ومصر .. لكن دي المرة الأولى إللى أزور فيها أضمار ..


ويستدير الحكمدار للباشا قائلاً ..
لكن .. مش كبيرة أضمار عليه يا باشا !


ويلحظ تهجم الباشا ودهشته ، فيتدراك قائلاً ..
أقصد يعني إن جميل بك معندوش فكرة عن الأحوال هنا وسعاتك عارف طبع الفلاحين ، خايف بس يتعبوه شوية وخصوصاً إنهم عاملين قلق بقالهم مدة وعاملين فيها ثوار


لا .. إطمن يا حكمدار ..
جميل قدها وقدود .. ولو مش بالذوق يبقى الكرباج إتعمل ليه !! هاهاهاهاهاها


- ههههههههههههه على رأي سعاتك ..
عموماُ نتمنى إنها تكون عجبت جميل بك .. عشان نَسعد برؤياه وبخدمته ..


- من ناحية عاجباه فهي عاجباه جداً


ويطلق الشاب المخنث ضحكة ثعبانية ناعمة ، ويغمز بعينيه لعتريس وهو يشير برأسه الذي لا يستقر إلى فلاحة صبية تجمع الكؤوس الفارغة من فوق حاجز الشرفة .. ويقول


- أكتر حاجة عجبتني هنا في أضمار .. ستاتها .. وبناتها .. مش كده برضه يا سبع الليل ؟ ههههههههه

وتضج الشرفة بالضحك الصاخب الماجن وكأنها تسمع دعابة حلوة ..
حتى الحكمدار بضميره المتعب .. اضطر إلى إطلاق قهقهة مدوية إستجاب بها للكزات المدير المُلحة متمتماً في سره ساخراً ..
- يا روح أمك !

 
ويشير الفتى بكلتا يديه لمن التف حوله من كبار المسؤولين والأعيان أن يقتربوا منه .. ويضع سبابته على شفتيه يدعوهم للسكوت والإستماع إلى سره الخطير .. وإذا تلتف من حوله الرؤوس في حركات رخيصة ، منافقة .. يبدأ في همس خافت متلعثم :


- الليلة عتريس مجهزلي مفاجأة كبيرة أوي ..
حيصطادلي عصفورة .. شايفين ! أهي وراكم

وتتسابق الرؤوس التي أرهقها الخمر في البحث عن العصفورة صاحبة الحظ التعيس .. فتبصر فلاحة مُقبلة يقفز جلبابها الأسود فوق صدرها البارز في وثبات سريعة مثيرة ..


ويجمع الفتى الماجن حشد المنافقين المخمورين ويسألهم في فحيح الأفاعي ..
- هاه .. إيه رأيكم في صيد الليلة !


ويعاود كل منهم إلتهام الفلاحة الصبية بعيون جائعة وكأنهم خبراء ، عليهم تقديم تقرير عن مفاتنها ومحاسنها ..


و يميل عتريس على جميل هامساً في أذنه دون أن يلحظ أحد ..
- أي خدمة يا كل الجمال ..
فيبادله إبتسامة ماجنة


ويقطع همسهما صوت مدير الري في فُصحى مُفتعلة ..
- قوامها يا جميل بك .. قوامها .. إنني أتخيله من اضطراب جلبابها كلما تتحرك مكتنزا ممتلئا حتى يوشك جلدها أن يتمزق من شدة نضجه وغليان دمه ..

ويرسل السكارى ضحكات مخمورة وهم يمسحون لعابهم في حين يقول مدير التعليم البدين ..

- لا لا لا .. انتو حتوصفوا جسمها إنه محشى لحمة ودهنة ؟! لأ لأ .. بقى ده اسمه كلام !
قولوا إشطة .. قولوا زبدة .. عارفين صدرها اللي مش بيهمد ده بيفكرني بإيه ! .. طبق ألماظية فراولة بيتهز ويترج على إيد صبية وحيقع منها وعاوز اللي يلحقه .. عاوز اللي يمسكه بحرفنة .. ده عاوز اللي يلهطه ههههههههههه


وتعلو الضحكات حتى تصل إلى الفلاحة الحسناء وإذ تلتفت صوبهم تبصر العيون الجائعة ترمقها وقد برزت أنيابها وسال لعابها ، وتشعر بخجل من نفسها فتهبط بنظراتها إلى الأرض وتستدير في خطوة سريعة مضطربة فتصطدم بمنضدة صغيرة عليها بعض الكئوس فتسقط بها إلى الأرض وهي تطلق صرخة المفاجأة والخوف من السقوط .


وأسرع عتريس إلى الفلاحة .. ومن خلفه جاءها الباشا وجميل والمدير والحكمدار وحشد المنافقين فصنعوا من حولها دائرة حاصرتها بعيون نهمة أخذت تلتهم ساقها وقد انحسر بفعل السقطة ، فبدا عاريا تماما إلا من دعوة للسجود له والارتماء عليه .


ويهتف مدير الري ..
- وجدتها .. وجدتها ..


ويلتفت الجمع إليه على حين واصل هتافه المسعور ..
- ألذ ما توصف به وأطعم أنها تبدو ببشرتها المحمرة أقرب إلى فرخة فيومي محمرة .


ويضحك جميل بك ويقول فاغراً فاه ..
- وجميل اللي حياكلها .

ووسط ضحات الجميع تنتبه الفلاحة الصبية إلى ما يجرى حولها وفوقها فتنتفض في حياء مذعور ، وتجمع ما تبعثر من عفتها ، وتستر ما تعرى من ساقها ، وتستوي على قدميها وهي تطوف بعينها في الجدار الدائري الذي صنعته من حولها أجساد رجال هم في الحقيقة أشباه رجال بدوا لها كالذئاب .


وفي أرستقراطية ساخرة صنع جميل في الجدار البشري المتماسك ثغرة واسعة بجواره ، ثم انحنى للفلاحة الوجلة حتى كاد رأسه يلامس ركبتيه وهو يدعوها لتتسلل عبرها بعيداً عن العيون النهمة .


وتتردد الفلاحة الصبية لحظات ، وكأنما لا تُصدق من جميل ما تراه ، فتنتقل عينيها في سرعة متشككة بين جميل والثغرة التي فتحها بجواره ثم تنطلق في خفة غزال وجِل مزعور تهاجمه الوحوش الكاسرة حتى تغيب في أعماق الدار تشيعها في مطاردة وقحة نكات بذيئة رخيصة .


وصرخ المدير :
- هو ده الصيد ولاّ بلاش ..


وهتف مدير التعليم :
- صيد باشوات يا سيدي .. صيد باشوات


وقال مدير الري :
- انظروا إلى الإسلوب ، إنظروا إلى الرقة والعذوبة ، تماما مثل ذبيحة ، نعلفها وندللها حتى يحين موعد ذبحها وأكلها .


حتى ضمير الحكمدار المتعب وجد له أخيراً عبارات نفاق :
- لا تدهشوا ، ولا تعجبوا ، فجمال بك ابن الباشا المجيد ، والشبل لا يكون إلا أسداً .


وتنتفخ أوداج الباشا وهو يمنح الحكمدار بعينيه بركته ورضاه .. ويهتف في تواضع م يخل من زهو وفخر ..
- لقد انتهت أيامنا .. البركة في جمال بقى


إلا أنه وفي الحقيقة كان هناك سبباً آخراً خفيا لسعادة الباشا .. ألا وهو نجاح خطته والتي دبرها مع ذراعه الأيمن عتريس .. فقد استدعاه قبل الحفل و ..

- خير يا باشا ..

- انت عارف طبعاً يا عتريس إن جميل عاش في فرنسا فترة طويلة مع والدته و ... و يعني انت عارف الحياة هناك مختلفة عن هنا .. هناك الشباب إ .... ناعم حبتين يعني ... و انت عارف الناس هنا لما بتتكلم ..


فأومأ عتريس مبتسما بنظرة خبيثة .. فهو يعلم عن جمال مالا يعرفه الباشا نفسه ..

- أؤمرني يا سعادة الباشا ..


وكانت " بهية " الفلاحة الصبية .. هي الخطة
هي الصيد الثمين ، الذي يُلبس الوريث المخنث ثوب الرجال .. فيذر الرماد في العيون ويُخرٍس الألسنة




وانتبه الجمع لجميل وهو يضع يده على كتف عتريس في ميوعة هاتفاً بمن احتشد حوله ..
- اسمحولي بقى .. الصيد وجب


ويلكز مدير التعليم مدير الري بكوعه وهو يرقص حاجبيه معاً في لهجة تصطنع الجد ..
- وجب الصيد ! بسرعة كده ؟ من غير ما نسمع الأذان !

ولأول مرة يُسمع لعتريس صوت ..


عوى في خبثِ قائلاً ..
- أنا سمعته يا بكوات .. سمعت الأذان ..
حي على الصيد يا جميل بك .. حي على الصيد !

ويضع جميل يديه على أذنيه وقد بسطهما يمنة ويُسرة كما يفعل المؤذنون ورفع عقيرته :

- الشيطــان أكبر .. الشيطــان أكبر

 
وتدوي في أرجاء القصر ضحكات مجنونة استبدت بالسكارى المدعوين ما عدا الحكمدار.

لقد أيقظ ضميره من غفوته القصيرة التكبير أمامه للشيطان ، والاستحسان الذي لقيه من الجميع ، فانطوى على نفسه في احد أركان القاعة يستغفر الله ويذكر اسمه ويُكبره على أصابع يده اليمنى وقد أخفاها في جيب سترته الرسمية الواسعة .


ويبصر الحكمدار من محرابه الدنس جميل بك وهو يصعد بصعوبة درجات بهو القصر إلى الدور الثاني حيث حجرات النوم ومن خلفه عتريس والفلاحة الصبية تحمل طاولة من الأبانوس عليها زجاجات الخمر وبضع كئوس وأطباق من الفستق والبندق واللوز .

ويشعر الحكمدار بضميره يؤنبه ويصفعه ويركله ، ثم يثور عليه ، ويدعوه إلى إنقاذ الفلاحة العذراء من مصيرها الدامي .


ولكن ..


ماذا يستطيع أن يفعل ؟


لا شيء


لا شيء مطلقاً


فكل المديرية ، كل الضباط والجنود ، وكل رجال الري والزراعة .. كل رجال الحكومة في المديرية يدركون نتيجة تحديهم للباشا ووقوفهم ضد رغباته .
وهو موظف لا يملك غير مرتبه ، ومدة خدمته كأمير الآي توشك أن تحيله على المعاش ، وله آمال ملحة في أن يصبح وكيلاً للداخلية أو مدير للأمن العام أو حتى مفتش للوزارة حتى سن الستين ، فيربي الأولاد ويتمكن من إلحاقهم بأرقى الوظائف ، ويزوج البنات منهم بخير الأزواج وأغناهم وافضلهم .
وسيضيع كل هذا المستقبل الآمن الناعم .. سيضيع .. لو أقدم على حركة ، أو نطق عبارة تثير غضب الباشا وتعكر على إبنه جميل سهرته وشهوته .

وهتف بضميره ..
- ما أمر لقمة العيش في هذا الزمن .. كلمة حق واحدة أقولها وأنتهي كحكمدار وأضيع كمستقبل ، ثم ما دخلي أنا بهذه المخلوقة الحقيرة ! هل هي إبنتي .. هل هي أختي ؟ ولو فرض أني أنقذتها الليلة فهل سأنقذها غدا أو بعد غد ، وهل سأحمي رفيقاتها ومثيلاتها من عدوان الباشا وابنه جميل ؟

أنا ضعيف .. ضعيف جداً .. لا أستطيع أن أواجه الباشا وأغضب الملك وأثير الوزارة والحكومة والدنيا كلها .


وفي حركة عصبية يتجه الحكمدار صوب باب القصر ويصرخ في هيستيريا على سائقه يدعوه وهو يلعن الأقدار التي جعلت منه رجل أمن في بلد تحمي فيه قوات الأمن المعتدين على الأعراض والأرواح .
ويهبط السلم إلى حديقة القصر ينتظر سيارته ، ويلتفت يمنة ويسرة في قلق و يصرخ بسائقه يستعجله .
كان يريد أن يهرب بنفسه وآماله ومستقبل أبنائه من ضميره المتعب اليقظ .

ولكن الواقع الذليل لحق به .


جاءه بصرخة حادة من الألم والفزع استثارت أعصابه ومشاعره .
فاستدار صوب مصدرها في انتفاضة قوية ليبصر نافذة في الطابق الثاني يسد نصفها الأسفل شبح عتريس ..
وفي آلية مجردة يرفع قدمه اليمنى ويضعها على أول درجات السلم الكبير ثم يرفع اليسرى ويهم بتركها تهبط على الدرج الثاني لولا نفير مرتفع اطلقه السائق من خلفه وقد أحضر السيارة أمام القصر .
وتسقط من الحكمدار قدمه اليسرى فوق ممر الحديقة وتنضم إليها القدم اليمنى في تهدل وانهيار ، ثم يلقي بجسده في سيارته وهو يأمر سائقه بصوت مرتعش أن يسرع إلى بيته .


وتتحرك السيارة ..
تدور عجلاتها دورة واحدة ..


ثم تقف ..


يوقفها السائق ..
فثمة صرخة حادة أخرى تخترق الظلام من نافذة الدور الثاني ، ويهتف السائق :


- إيه الصوت ده .. سمعت يا سعادة الحكمدار ؟


ويطبق رجل البوليس الكبير شفتيه وفكيه على عبارات مكتومة تقول :
- إيه .. سمعت !! .. سمعت إيه ؟


ويرد السائق وهو يصيغ السمع ..
- فيه صوت واحدة بتصرخ !
ويخرج الحكمدار رأسه من النافذة المجاورة ويتظاهر بالسمع لحظات يقول بعدها لسائقه :
- موش سامع حاجة .. موش سامع حاجة خالص !

- ده نحيب ، نحيب صوته واطي .. اسمع كده يا سعادة البك .. اسمع !
 ويضع الحكمدار يده خلف أذنه اليسرى ويدفعها قليلاً إلى الأمام وكأنه يعدها لإلتقاط همس الأصوات ، فيصله أنين متصل .. يغوص في أعماقه يمزقها ويدميها .
ويجيئه صوت سائقه العسكري ثائراً قاسياً :

- ضحية تانية يا سعادة الحكمدار .. ضحية تانية ..



ويتجاهل رجل البوليس الخطير غضبة سائقه اللاذعة ، فيعتدل في مقعده ويهتف به آمراً :

- يللا يابني .. يللا .. إطلع بسرعة ع البيت .

ويعود السائق إلى مكانه أمام عجلة القيادة وهو يستغفر الخالق ويذكره أنه عادل ، ومنتقم ..

وجبــار .


 
" لست أنا الكاتب .. فقط أنقل فكرة"

يُتبع ..






الخميس، 15 أبريل 2010

حكاية ثورة .. 1


أضمار ..


البلدة الصغيرة التي سيطرت عليها لوثة جنون خطر ، جعلتها تتوهم يوما أن من حقها أن تثور على الباشا المجيد ، فخرجت إليه بفئوسها ومناجلها وأعواد الحطب مشتعلة فوق رؤوسها تريد حرقه وتدمير قصره ، فردتها عنه مائة مدفع رشاش تحملها عصابة عتريس وقوة من جنود المديرية تضم ألفاً من بلوكات النظام وعشرات من سيارت الجيش المصفحة التي جاءت من معسكر قريب .

لقد قدمتها الحكومة لقمة طرية لأنياب المجيد ، يلوكها الإرهاب ويطحنها ، ويعتصر دمها ويشربها ، ثم يبصق عليها مع شروق كل شمس بنفاية متقيحة لا تنتهي من الأحقاد والثارات .

فعشرة من أبنائها .. قتلتهم حبال المشانق بموافقة مفتي الديار حتى يعجزون تماما عن إشعال ثورة أخرى ضد البشوات .
ومائة من رجالها ونسائها .. يضمهم سجن المديرية حيث يجرى تأديبهم وتهذيبهم وإصلاح عقولهم ، وليدركوا دائماً حقيقة مكانهم كعبيد وسائمة يملكها المجيد .


أما الآلاف الثلاث الباقية من سكان القرية فقد انتظموا صفوفاً من الذل والخوف ، وصفوفاً من الإستغلال والإنتهازية ، يخرج عليها نفر ثائر يفسد إستسلامها بثأر ملول ، على حين تتربص بخنوعها وخضوعها ضمائر حاقدة لا تريد أن تموت وتأبى أن تغفو لحظة وتنام .
...............


هكذا كانت أضمار عندما تسلم مقودها الباشا الكبير بعد أن أخضعتها له تماما قوى الجيش والبوليس وبطش عصابة حارسه ومساعده عتريس .
كلنا نذكرها ولا شك ..
فقد كانت طوال شهر أسود من حكم فاروق حديث الصحف الصغيرة التي اعتاد الحكام مصادرتها ، وقلة من النواب الأحرار الذين خدعوا صناع الإنتخابات وتسللوا بالرغم عنهم إلى مبنى النواب .
إنها اليوم تعيش في مأتم طويل لا تبدو له نهاية .
فمع كل شروق .. يختار المجيد عبداً منها أو جارية ليروى حقد يوم ، ويجسد لها قدرته وبطشه ويُذكرها بضعفها وعارها .

وأفراحها التي كانت لا تنقطع زغاريدها وهي تعلن عن جمال بناتها وقد جاءهن العرسان من القرى المجاورة .. أصبحت كالجرائم التي تُرتكب في ظُلمة الليل وتتم في السر وتُغلف بالصمت خوفا من نقمة الباشا وسخرية عتريس وعيون إبنه الجائعة التي استعبدت القرية وحللت لنفسها أعراض البنات


أما بيوتها التي اشتهرت بطلائها الأبيض فقد جنت عليها المآسي والأحزان ، إذ جاءها الصبية بالطين والنيلة ولطخوها كما شهدوا أمهاتهم يفعلن بالوجوه في كل مأتم كبير .
حتى الجبل الذي تسكن إليه القرية .. مزقوه بالإنفجارات ، فكشفوا بها عن ظهرها للقتلة والمجرمين من كلاب الباشوات وحراس الأعيان .

إنها قرية الموت ..
تراه في كل بيت .. قائم .. أو .. قادم .. أو .. مُتربص .. أو .. مُرتحل في زيارة خاطفة للقبور .
فالموتى بعددِ أيام السنة .. وإن لم يمت أحد بالمرض أو الشيخوخة ، أو مات بصخرة ضخمة في المحجر ، فرض رجال الباشا الموت على القرية ، ولتبقى دائما في نواحِ ذليل يستبد بها و يُفسد عليها ما قد تتوهمه من خرافات الثأر .

ولكن ..
ما أعجز الموت ..
لقد فشل في قبرِ الحياةِ ووقفِ نموها واستمرارها في اضمار .
فقد كشفت لها فطرتها هدفاً للمجيد من إطلاق الموت على بيوتها يحصدها .. أن تَضيقَ بجيرته ، وأن تخشى على فلوها من بطشه وعصابة عتريس ، وأن يهجرها الأباة ويبقى له المستضعفين .. فيزداد أمنه .. وتتأكد سلامته .. وليلغ في كرامتها وأعراضها والنفاية التي لم يملكها بعد من أراضيها وبيوتها .
وفكرت القرية في مواجهة المؤامرة .
وهدتها فطرتها إلى أقوى سلاح .


أن تُحارب الموت بالحياة ..
فكل مأتم يواجهه زواج .
ومع استخراج شهادة الوفاة يجب أن تُسجل القرية ميلاد طفل ..


والنفر القليل من أبناءها الذين غادروا إلى المركز والقاهرة سعياً وراء العلم أو الرزق ، يجب أن يقطعوا دراساتهم ، ويتركوا أعمالهم ليعودوا إلى القرية ويسُدوا ما تعانيه أسرهم من نقصٍ في الرجال إستعداداً لفرصة الثأر .

فسالم .. ترك عمله في أحد مخابز البندر بعد مقتل والده الشيخ عطيوة .
وإبراهيم .. رفض دخول إمتحان التوجيهية وعاد ليجلس خلف بنك دكان البقالة الوحيد في القرية بدلاً من أخيه الذي شنقه الطغاة .
وكذلك فعل صابر الصغير بسنوات عمره الخمس عشرة .. فقد فرّ من المدرسة الثانوية ليكون رجل أسرته بعد اغتيال أبيه .
حتى سلطان .. الشاب الجامعي الوحيد في القرية الذي لم يرتد جلباب الفلاحين منذ ارتدى البنطلون تكبراً وترفعاً وتمييزاً لنفسه وعلوا بها ..
اضطر تحت ضغط شقيقه حمد وثورته على أبيه إلى الانقطاع عن كلية الزراعة والانضمام في ضِيق متبرم إلى موكب القرية وهو ينطح الموت ويريد أن يصرعه ..
.....................
ويلتقي أحياء القرية مع الأموات في أربعين الشيخ عطيوة .. وكأنهم أفراد عصابة تأتي عملاً تعاقب عليه القوانين ..
فالداخل للعزاء في الشيخ عطيوة يتلفت يُمنة ويُسرة قبل أن يلج الباب ..
وعبارات العزاء تتبادلها الأيدي والعيون دون الشفاة .
حتى ذِكر الله وتلاوة آياته واستمطار رحمته على الميت أو الشهيد يجب ألا يتردد في غير القلب .


هكذا مضت الساعة الأولى من أربعين الشيخ عطيوة .. بلا مُقرئ للرجال ولا معددة تنوح النساء .. فما يجرؤ واحد ممن احترفوا تلاوة القرآن على إغضاب الباشا الكبير ، ولو بتلاوة الفاتحة على روح من تقتله عصابة عتريس ..
كل شيئ هادئ صامت .


المُعزون ..
وأهل الشهيد ..
وكذلك الجاموسة والحمار لم يرتفع لهما صوت ..
و دخول الناس وقيامهم وقعودهم .. كان يتم في حركات بكماء ..
حتى ألواح الأريكة الخشبية المتداعية عندما تفككت وتهاوت إلى الأرض بمن فوقها من فلاحين لم تُسمع لها قعقعة ولا تردد لها صدى .. وإنما تفتت وتكسرت وتناثرت في دويٍ أخرس يرتجف .

وبين الجميع كان عم سليمان شقيق الشيخ عطيوة الذي حضر مصرعه وأبصر قاتله ونالت منه بندقيته .. جاءت به زوجة القتيل من المستشفى برغم جروحه الكثيرة التي لم تلتئم بعد .. فبدا في ضماداته ونظرته الهلعة الزائغة أشبه بلوح ثلج أرادت به أن تشيع البرودة في دماء ابنها سالم التي توشك أن تنطلق حارة جارفة من عيونه المحمرة لتغرق الباشا وعتريس في طوفان من الدماء ..
وفجأة ..

يرتفع صوت أشبه بصرير الأسنان ..
وتتجه رؤوس المعزين وأهل القتيل صوبه في سرعة وجِلة مشفقة فتبصر سالم يُطلق زفرات ساخنة كريح فصل الصيف .

- لماذا تأخر حَمد .. ؟ لماذا ؟ ..


وكأنما أتى سالم إثماً كبيراً .. فقد قام إليه عم سليمان وبعض الأقارب يمسكون بيده ، ويخرجون به إلى غرفة مجاورة .. وتتبعه عيون المعزين و ترتد إلى باب الدار وهي تتبادل نظرات خائفة ترجو بها لو تنهي عزائها وتغادر الدار قبل أن تتفجر فيها ثورة جديدة يؤخذون بجريرتها ، فيُعدمون أو يُسجنون أو يُقتلون رمياً برصاص عتريس ..

وتنتصر إرادة الخوف عند أحدهم ..
فينتصب واقفاً صوب باب الدار في نظرات هاربة متخاذلة لا ترتفع عن الأرض ، على حين ارتفعت يُمناه إلى رأسه في سلامٍ سريع ..
ويتشجع ثلاثة غيره أو أربعة .. فيَفرغ جوف الدار إلا من عشرين جلسوا يستهجنون الفارين بنظرات حاولوا جهدهم أن يطردوا منها انعكاسات الخوف الذي أثقل قلوبهم وسيطر على مشاعرهم ..
وفجأة ..

تحرك باب الدار في سرعة متعجلة وبدا خلفه فتى نحيل في الخامسة عشرة من عمره ، يعلو صدره ويهبط في تتابع لاهث ، على حين جرت أنظاره ترمق الحاضرين في زهو وخيلاء مشوبين بفرحة وانتصار .

كان في وقفته وملامح وجهه وانعكاسات مشاعره أقرب ما يكون إلى صبي تسلل إلى حفل زفاف منه إلى قادم للعزاء في قتيل سفك دمه الباشا وعتريس ..

 
ويبدو أن عشرة من المعزين كانوا على موعد مع الصبي الصغير ، إذ تهللت وجوههم في إرتياح في حين اشتدت مخاوف العشرة الآخرين ..

وانحدرت أنظار الجميع من الصبي اللاهث وقد استند بظهره إلى الباب المفتوح ، وامتدت عبره طويلة تحاول أن تغوص في ظلمات الطريق ، ويتحرك الظلام خارج الباب .. ويبدو عبره شبح أسود من الليل مقبل على الدار ، ونقطة بيضاء ترتفع فوقه أخذت تكبر وتتضح حتى بدت عند الباب شال عمامة صعيدية فوق قفطان حالك ..



ويرتفع صوت الصبي اللاهث في فخره وخيلائه ..

- الشيخ حَمد ..

ووقفت غالبية المعزين .. في حين انفرج باب الحجرة المجاورة في عنف سريع عن سالم ابن الشهيد وقد اندفع إلى الشيخ حَمد عند مدخل الدار يحتضنه ويُقبِل كتفه ويربت على ظهره ، ثم يستدير به ويقوده إلى صدر القاعة ، حيث قبع مرتفعا عن الأرض فوق فرن الدار ، على حين كانت الجدران تُردد في أصداء متداعية تحية الشيخ حمد للمُعزين ..

- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
- شكر الله سعيكم ..
- غفر الله ذنبكم ..
- لا أرانا الله مكروها فيكم ..
- لا مدّ الله في عمر القتلة أعدائكم ..


ووصل حَمد إلى الفرن فخلع نعليه و اعتلى ظهره وقد ضم ساقيه وقدميه تحت قامته السامقة ووجهه الهادئ وملامحه الصارمة ..

ومرت ثوان قليلة من صمت متحفز قطعها صوت الشيخ حَمد الجهوري وهو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويبدأ في تلاوة رخيمة لآيات من سورة الأنفال لا يَمَل ترديدها مُنذ ثارت القرية وعاد من المعهد الأزهري ..
ووصل لقول الله العظيم ..
" ليُحقَ الحقَ و يُبطِل الباطلَ وَ لو كَرِهَ المُجرِمُون" .

فترددت ضحكة خافتة ارتفع عليها صوت غليظ وقور يستنكر في تأنيب ..

- سلطان !
ويبدو أن صاحب الضحكة قد أثارته لهجة التأنيب ، فارتفع صوته على تلاوة الشيخ حَمد قائلا في سخرية فاجرة ..
- ليحق الحق و يبطل الباطل و لو كره المجرمون .. كِيف يا عالم كِيف ؟ .. وانتم هنا يسقط لكم القتيل بعد الآخر ولا تَجسرون على مجرد الترحم عليه ..

 
ويقطع إبراهيم بقال القرية الجديد سخرية سلطان ..
- صبرك يا سلطان فإننا لن ننسى قتلانا .. لن ننساهم أبداً ..
و لهم علينا أن نثأر لهم .. أفهمت .. سنثأر يا سلطان .. سنثأر للشهداء ..

وتصدر عن سلطان ضحكة إستهزاء عالية ، و يقول في صوتٍ تعمدَ أن يرتفع له ليصل إلى غالبية المعزين في الوقت الذي حرص فيه ألا يصل إلى صدر القاعة حيث الفرن وشقيقه الأكبر حَمد يُرتل كلام الله ..
- تثأرون للشهداء .. كيف سيكون ثأركم من عصابة عتريس .. من الباشا الكبير ، كيف يا عالم .. كيف يا خلق .. ؟ ألا توجد حكومة .. ألا يوجد بوليس ؟ .. ألا يوجد جيش ؟ ألا يوجد انجليز ؟ إنه الباشا .. الباشا الكبير .. قريب الملك .. أتعرفون ماذا تعني قرابة الملك .. ؟
و يبدو أن صوت سلطان ارتفع أكثر مما أراد فقد وصل إلى شقيقه حمد و مَن حوله من شيوخ فختم تلاوته و قام إلى شقيقه يعاتبه ..
- ما هذا يا سطان .. ألا يوجد عندك إحترام للقرآن ؟
و يرد عليه سلطان وقد زاده تأنيب شقيقه أمام المعزين ثورة و انفعالا ..
- عندي إحترام للقرآن .. وعندي أيضاً عقل يفهم الدنيا و كيف تسير ..

و يعلو صوت سالم صارخاً ..- ماذا تقصد يا سلطان ؟
ويبدو صياح إبراهيم في تحد ..
- قل .. تكلم .. انطق ..

ويجد سلطان نفسه بكبره و تعاليه و ضيقه بالقرية و فلاحيها و أحقادها وقد مضى في تحديه و أوغل في سخريته .. قال ..
- أنتم مجانين .. هكذا وصفتكم الصحف .. مجانين لا عقول لكم ولا فِهم .. تحاربون الملك والحكومة والجيش و البوليس .. والنتيجة !
ماذا كانت نتيجة الحرب ؟ كم قتل لكم الباشا حتى اليوم .. ؟ وزراعتكم وسمادها وبذورها .. حتى المياه قطعها عنكم .. و المحجر حَرَّمَهُ عليكم .. وكل هذا لأنكم تجرأتم عليه مرة وطالبتموه بحقوقكم .. والآن تريدون أن تعودوا إلى مقاتلته .. تريدون الإنتقام .. فكيف يا أخي .. كيف يا أبي .. ؟ كيف يا عمي .. ؟ كيف يا خالي و هو البااااشا .. الباشا الكبييير .. يبيعكم بيعاً و يشتريكم شراء .


ويرتفع صوت حمد على صراخ شقيقه قوياً عنيداً حازماً ..
- ولهذا لن نسكت له .. لهذا نحاربه يا سلطان .. لأنه يبيعنا ويشتري فينا .. فنحن أحرار .. وُلدنا لنكون أحرار .. سيدنا عُمر رضي الله عنه قال .. متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أُمهاتهم أحراراً ..

وتلقفت غالبية المُعزين صيحة حَمد و هو يؤكد حريتها وكأنما استبد بها ظمأ شديد إلى ما يجدد ثقتها بنفسها و ثاراتها بعد أن اهتزت واضطربت و أوشكت أن تتبدد بصراخ سلطان ..
ورددت جدران القاعة صيحات راحت تتعالى الواحدة بعد الأخرى ..
- نعم .. نحن أحرار .
- وُلدنا أحرار ..
- لنعيش أحرار ..

و قطع سلطان آمالها و أوهامها ..
- كفاكم خداعا لأنفسكم .. كفاكم كذباً على حقيقتكم .. عُمر قال و عُمر فعل .. أصحوا .. أفيقوا .. عُمر مات .. مات من قرون ..
الباشا هو الحاكم لا عُمر .. صالحوه .. استغفروه .. فقد يَرِق قلبه .. وقد يرضى عنكم .. أضعتم البلد .. خربتم بيوتها .. حطمتم آمالها .. أتنكرون .. أتنكرون ؟ ..
ولم يرد أحد .. حتى الشيخ حَمد ..
لم يجد عبارة واحدة يدفع بها الحقائق المريرة التي اجترها عنهم سلطان ..

كان الجميع قد استبدت بهم ثورة سلطان وما بدا فيها من واقع عاشوه وقاسوه ، فشخصوا إليه بعيونهم وقتلاهم ومذلتهم في خوف أبله ، في حين مضى سلطان يُجردهم من بقايا أوهام الثأر والقضاء على الباشا الكبير ..
- تكلم يابا خليل .. وانت يا عم سليمان .. تكلم يا شيخ فرحات وأنت يا قمص .. تكلموا .. قولوا الحقيقة .. إعترفوا بها .. أو .. اصرخوا في وجهي أني كاذب ..
ولاذ بالصمت لحظة في حين كانت عيونه تتحدى الحاضرين .. وإذا وقعت على أبيه إتجه إليه وأمسك بكتفه و صرخ فيه ..

- و أنت يا أبي .. تكلم .. قل لهم رأيك بصراحة .. أخبرهم بما سبق أن رددته على مسامعي أكثر من مرة .. أن عنادهم خرب البلد .. و أن الطريق التي يضربون فيها ليس لها غير آخرتين .. السجن بأمر من الباشا .. أو القتل على يد عتريس .. قل لهم يا أبي ما ذكرته لي بالأمس .. قل لهم .. أن عناد البلد قضى على آمالك في ولديك .. حَمد الذي كنت تريده شيخاً أزهرياً يحمل العالمية ، وأنا الذي كنت تتمنى أن تراني مهندساً زراعياً في عزبة الباشا .. نعم .. في عزبة الباشا ..

ويرتفع صوت رفيع أقرب ما يكون إلى صراخ النساء يهتف بسلطان ..
- أناااااني .. كل ما يُشغلك مستقبلك وحدك .. معذور .. والله معذور .. فلم يُهدر لكَ دم .. لم يُهتك لكَ عِرض .. أناني .. وخائن .. وجبااان ..

انتفض سلطان وأزاح أربعة ممن كانوا حوله وخطا إلى الأمام وهو يصيح ..
- ماذا تقول يا ولد ؟
ورد الولد الصغير متحدياً سلطان ..
- أقول خااااائن و جبان ..

و مدّ سلطان يده في صفعة أوشكت أن تهبط على وجه صابر و قد وقف فوق كومة من أكياس الخيش .. ولكن حَمد سبقه إلى صابر ووقف أمامه يسد على سلطان طريق الإنتقام من الصبي الصغير هاتفاً به ..

- ارجع يا سلطان .. ارجع .. كفانا .. كفانا ما أنزلته بنا .. تفضل اخرج من هنا دون شر .. دعنا لعنادنا و جنوننا .. دعنا لثاراتنا و أحلامنا ..

و يرفع سلطان يديه إلى صدر شقيقه حَمد ويدفعه بهما بعيداً عن طريقه إلى الصبي الصغير الذي بدا فوق كومة الأكياس عملاقاً صغيراً رهيباً ..
ولكن جموع الفلاحين تحيط به و تدفعه بعيداً عن صابر و حَمد حتى تتركه وحيداً خارج الدار حيث استبدت بالقرية ظُلمة مخيفة برغم البقية اللاهثة من الأنوار الكثيرة التي تضيئها عن قرب ماكينة الكهرباء من حول قصر الباشا الكبير ..


و البقية تأتي ..

* لست أنا السارد .. وإنما فقط أنقل فكرة